محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

267

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

وجهين : إمّا بحرص مع فقر يتقطع به حسرات ، أو رغبة في غنى تنسيه شكر ما أنعم به عليه » . وقد ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ليس الغنى عن كثرة العرض ، وإنما الغنى غنى النفس « 1 » » . وغنى النفس عن الدنيا شرف الأولياء المختارين ، وعزّ أهل التقوى من المؤمنين المحسنين ، ولقد صدق الشاعر في قوله : غنى النفس ما يكفيك من سدّ خلة « 2 » * فإن زدت شيئا عاد ذاك الغنى فقرا يحكى عن بنان الحمّال ، رضي اللّه عنه ، أنه قال : « كنت مطروحا طاويا على باب « بني شيبة » سبعة أيام لم أذق شيئا ، فنوديت في سرّي إنّ من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أعمى اللّه عيني قلبه » . وقال عبد الواحد بن زيد ، رضي اللّه عنه : « ذكر لي أنّ في خراب « الأبّلة » « 3 » جارية مجنونة تنطق بالحكمة ، فلم أزل أطلبها حتى وجدتها في خربة جالسة على حجر وعليها جبة صوف ، وهي محلوقة الرأس ، فلما نظرت إليّ قالت من غير أن أكلمها : مرحبا بك يا عبد الواحد . فقلت لها : رحّب اللّه بك . وعجبت من معرفتها بي ، ولم ترني قبل ذلك فقالت : ما الذي جاء بك هاهنا ؟ قلت : جئت لتعظيني . قالت : وا عجبا لواعظ يوعظ . ثم قالت : يا عبد الواحد ، إعلم أنّ العبد إذا كان في كفاية ، ثم مال إلى الدنيا سلبه اللّه سبحانه وتعالى حلاوة الزهد فيظل حيران والها ، فإن كان له عند اللّه نصيب عاتبه وحيا في سرّه ، فقال : عبدي أردت أن أرفع قدرك عند ملائكتي وحملة عرشي ، وأجعلك دليلا لأوليائي وأهل طاعتي في أرضي ، فملت إلى عرض من أعراض الدنيا وتركتني فورّثتك بذلك الوحشة بعد الأنس ، والذلّ بعد العزّ ، والفقر بعد الغنى ، عبدي ارجع إلى ما كنت عليه ارجع عليك ما كنت تعرفه من نفسك » . قال : ثم تركتني وولّت عنّي ؛ فانصرفت وبقلبي حسرة منها . وفي بعض الكتب : « إنّ أهون ما أصنع بالعالم إذا مال إلى الدنيا أن أسلبه حلاوة مناجاتي » .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( رقاق ، 15 ) ، ومسلم ( زكاة ، 120 ) ، والترمذي ( زهد ، 40 ) وابن ماجة ( زهد ، 9 ) ، وأحمد بن حنبل ( 2 ، 243 ، 261 ، 315 ، 390 ، 438 ، 443 ، 539 ، 540 ) . ( 2 ) الخلّة : الفقر والحاجة . ( 3 ) الأبلة : بلدة على شاطىء دجلة البصرة العظمى في زاوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة البصرة ، وهي أقدم من البصرة . ( معجم البلدان 1 / 77 ) .